محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
190
الروض المعطار في خبر الأقطار
مدينة عامرة آهلة على شاطئ دجلة لها فرض وأسواق ، وهي كورة من كور الموصل لها عمارات وقرى ، وأهلها أخلاط من العرب والعجم ، ولها غلات واسعة وخصب وهي شرقي دجلة ، وبها مصب نهر الزاب الكبير ، ومنها إلى الموصل مرحلة . وكان محمد ابن مروان بن الحكم لمّا ولي الجزيرة أيام عبد الملك بن مروان بناها وصيّر فيها جندا ونقل إليها قوما من العرب من البصرة وغيرها ، والأزد أكثرهم ، وكان بنيانها سنة اثنتين وسبعين . ولما اختط هرثمة الموصل واسكنها العرب أتى الحديثة وكانت قرية بها بيعتان وأبيات للنصارى فمصرها وأسكنها قوما من العرب ، فسميت الحديثة لأنها بعد الموصل . الحديبية « 1 » : الحجازيون يخفّفون ياء الحديبية والعراقيون يثقلونها ، وقال الأصمعيّ : هي مخففة الياء الأخيرة ساكنة الأولى ، وهو اسم بئر قريبة من مكّة وطريق جدة ، وفيها كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة المذكورة في القرآن لما صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن العمرة وصالح كفّار قريش على أن يعتمر من العام المقبل ، وكانت الشجرة بالقرب من هذه البئر ، ثم إن الشجرة فقدت بعد ذلك فلم توجد ، كذا قال القضاعي في تاريخه عن أبي عبد اللّه الحاكم قال سعيد بن المسيب سمعت أبي وكان من أصحاب الشجرة يقول : قد طلبناها غير مرة فلم نجدها وكانت سمرة ؛ وقال ابن المسيب : وقعت الفتنة الأولى - يعني مقتل عثمان رضي اللّه عنه - فلم تبق من أصحاب بدر أحدا ثم وقعت الثانية - يعني الحرة - فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ « 2 » . الحرم « 3 » : قال الزبير : أول من نصب أعلام الحرم عدنان ابن أد لما خاف أن يدرس الحرم ، فأعلام الحرم محيطة بمكة قد نصبت في البقاع والغيطان والتلاع والقيعان ، فحدّ الحرم من ناحية التنعيم على طريق سرف إلى مر الظهران خمسة أميال ، ومن طريق جدّة عشرة أميال ، ومن طريق اليمن ستة ، ومن طريق الطائف سبعة ، ومن طريق العراق كذلك . وقيل حدّ حرم مكة من ناحية المدينة ذو طوى على ثلاثة أميال من مكة ، وحدّه من طريق جدّة على عشرة أميال ، وحدّه من طريق اليمن على سبعة أميال ، وحدّه من طريق العراق على ستة أميال ، وحدّه من طريق الطائف على أحد عشر ميلا ، فعدد أميال الحرم سبعة وثلاثون ميلا ، ودور الحرم حول الكعبة سبعمائة وثلاثة وثلاثون ميلا . حراء « 4 » : بكسر أوله ممدود ، جبل بمكة ، قال الأصمعيّ : بعضهم يذكّره ويصرفه وبعضهم يؤنثه ولا يصرفه . وفي الخبر « 5 » ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أثبت حراء فإنما عليك نبيّ أو صديق أو شهيد » . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يتحنث في هذا الجبل الليالي ذوات العدد قبل أن يوحى إليه وفيه نزل عليه جبريل عليه السّلام أوّل ما أوحي إليه وفيه بشره بالنبوة . وبينه وبين مكة ميل ونصف ، وهو جبل منفرد على طريق حنين من مكة ، وهو منيف صعب المرتقى لا يصعد إلى أعلاه إلا من موضع واحد في صفاة ملساء ، وهو من جميع نواحيه منقطع لا يرقاه راق ، والموضع الذي نزل فيه جبريل عليه السّلام في أعلاه من مؤخره إلى شق هناك معروف . حروراء : قرية من قرى الكوفة ، بينها وبين الكوفة نصف فرسخ بها اجتمع الخوارج على عليّ رضي اللّه عنه فسماهم بالحرورية ، ولقي جمعهم هناك فأوقع بهم في تسع وثلاثين ، وذلك أنه لمّا فرغ علي رضي اللّه عنه من صفين نادى في الناس بالرحيل فرحلوا ، فمضى حتى دخل قصر الكوفة ، وكان أهلها قد خرجوا مع علي رضي اللّه عنه إلى صفين وهم متوادون أحباء فرجعوا وهم متباغضون أعداء ، ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم ، وأقبلوا في طريقهم يتدافعون ويتشاتمون ويضطربون بالسياط ، يقول الخوارج : يا أعداء اللّه أدهنتم في أمر اللّه وحكمتم ، ويقول الآخرون : فارقتم إمامنا وفرّقتم جماعتنا . فلما دخل علي رضي اللّه عنه الكوفة لم يدخلوا معه وأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا ، ويسمى هؤلاء بالحرورية لنزولهم بهذه القرية ، ومضى إليهم علي رضي اللّه عنه فجلس إليهم
--> ( 1 ) معجم ما استعجم 2 : 430 ، وصبح الأعشى 4 : 256 . ( 2 ) ارشاد الساري 6 : 274 ، والطباخ - بفتح الطاء - العقل أو القوة أو بقية خير في الدين ؛ والفتنة الثالثة : قيل هي فتنة الأزارقة ، وقيل هي فتنة أبي حمزة الشاري . ( 3 ) البكري ( مخ ) : 74 ، وشفاء الغرام 1 : 54 - 66 ، والأزرقي 1 : 351 - 361 ، وصبح الأعشى 4 : 255 . ( 4 ) معجم ما استعجم 2 : 432 ، والبكري ( مخ ) : 74 . ( 5 ) مجمع الزوائد 9 : 55 ؛ وفي إرشاد الساري 6 : 89 أثبت أحد .